ابن عربي

118

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

قليلا ؟ غرّتهم بصحّتهم فاغترّوا بنشاطهم ، فركبوا المعاصي ، وغفلوا العاصي . إنهم كانوا واللّه في الدنيا مغبوطين بالأموال على كثرة المنع إليه ، محسودين على جمعه مع كثرة التعب عليه . فانظر ما صنع التراب بأبدانهم ، والرمل بأجسامهم ، والديدان بعظامهم وأوصالهم . كانوا في الدنيا على أسرّة ممهّدة ، وفرش منضّدة ، بين خدم يخدمون ، وأهل يكرمون ، وجيران يعضدون . فإذا مررت فنادهم إن كنت مناديا ، ومرّ بعسكرهم ، وانظر إلى تقارب منازلهم ، وسل غنيّهم ما لقي من غناه ، وسل فقيرهم ما لقي من فقره ، وسل عن الألسن التي كانوا بها يتكلمون ، وعن الأعين التي كانوا بها ينظرون ، وسلهم عن الجلود الرقيقة ، والوجوه الحسنة ، والأجساد الناعمة ، ما صنعت بها الديدان : محت الألوان ، وأكلت اللحوم ، وعفرت الوجوه ، وقبّحت المحاسن ، وكسّرت الفقار ، وأبانت الأعضاء ، ومزّقت الأشلاء . وأين حجابهم وقبابهم ؟ وأين خدمهم وعبيدهم ، وجمعهم وكنوزهم ؟ واللّه ما زوّدهم فراشا ، ولا وضعوا هناك متكأ ، ولا غرسوا لهم شجرا ، ولا أنزلوهم من اللحد قرارا ، أليسوا في منازل الخلوات والغلوات ؟ أليس النهار والليل عليهم سواء ؟ أليسوا في مدلهمة ظلماء ؟ قد حيل بينهم وبين الأحباء . فكم من ناعم وناعمة أصبحوا ووجوههم بالية ، وأجسامهم من أعناقهم بائنة ، وأوصالهم متمزّقة ، وقد سالت الحدقات على الوجنات ، وامتلأت الأفواه ماء وصديدا ، ودبّت دوابّ الأرض في أجسادهم وفرّقت أعضاءهم ، ثم لم يلبثوا واللّه إلا يسيرا حتى عادت العظام رميما . قد فارقوا الحدائق ، وساروا بعد السعة إلى المضايق ، قد تزوجت نساؤهم ، وترددت في الطرق أبناؤهم ، وتوزعت الورثة ديارهم وتراثهم . فمنهم واللّه الموسّع له في قبره الغضّ الناظر فيه المتنعم فيه بلذّته . يا ساكن القبر غدا ، ما الذي غرّك من الدنيا ؟ هل تعلم أنك تبقى أو تبقى لك ؟ أين دارك الفيحاء ونهرك المطّرد ؟ وأين ثمرتك الحاضرة ينعها ؟ وأين رفيق ثيابك ؟ وأين طيبك ؟ وأين بخورك ؟ وأين كسوتك لصيفك وشتائك ؟ أما رأيته قد نزل به الأمر فما يدفع عن نفسه دخلا ، وهو يرشح عرقا ، ويتلمظ عطشا ، يتقلب في سكرات الموت وغمراته . جاء الأمر من السماء ، وجاء غالب القدر والقضاء ، وجاء من الأمر الأجل ما لا يمنع منه . هيهات هيهات يا مغمض الوالد والأخ والولد وغاسله ، يا مكفن الميت وحامله ، ويا مخلّيه في القبر وراجعا عنه . ليت شعري كيف أنت على خشونة الثرى ؟ يا ليت شعري بأي خدّيك بدا البلا ؟ يا مجاور الهلكات صرت في محلة الموتى . ليت شعري ما الذي يلقاني به ملك